أمل المصري


جلس هو في ركنته المفضلة في مقهي سيلانترو في التحرير.. مكان تعود الذهاب اليه كثيرا بعد انتهائه من عمله.. علي الرغم من صغر و ضيق المكان ولكنه كان المفضل لديه…ولكن لم يكن يدرك بعد أن ذلك اليوم سيكون يوماً تتغير فيه حياته مئة و ثمانون درجة…

كعادته كان يحب السير من عمله بقرب الأوبرا..و كانت قد بداءت تتوافد أعداد من المتظاهرين علي ميدان التحرير .. و ظهر في الأفق بعض سيارات الأمن المركزي…و كل ما جال في خاطره في تلك اللحظة.. “شوية لغش و هيعدوا.. و كله يروح” .. و أكمل طريقه..

فيما كان يجلس في مكانه في المقهي.. بدا يسمع الهتافات..و بداء يشعر بالأصوات تعلو و جاء النادل يعطيه مشروبه ثم مال عليه ” أستاذ هو فيه أيه ؟ الدنيا اللي بره دي عادي ؟”

فنظر في هدوء ” متخافش دي شوية دوشة زي أيام الجامعة و شوية و هتهدئ و بكرة تقول اني قلتلك” .. فنظر النادل اليه في صمت ثم أستطرد ” طيب” و عاد مسرعاُ ليتابع عمله..

وظلت الأصوات تعلو .. و كل لحظة الصدي يتضاخم…

و في لحظة تبدل الحال…بداءت الأصوات تعلو .. ولكن تعالت بصراخات و بداءت أصوات المدافع القاذفة للغاز تمتزج بأصوات و صرخات الناس ..

و في الحال أتجه الي باب المقهي ليري ماذا يحدث و اذا به يري سحباً من الدخان تغطي الميدان.. و اذا بأصوات صرخات و هتافات تتعالي.. وعلي غير عادته الأنطوائية .. ذهب و ترك للنادل ما يكفي لحسابه و خرج ليري ما يحدث ..

وبدا يتقدم ببطء نحو الميدان الذي أحتشد ببشر من جميع الطوائف .. وقفو جميعاً مع بعضهم البعض و بعضهم أصبح يجري يمسك بالقنابل المسيلة للدموع يلقون بها في أتجاه الأمن المركزي..

في لحظة تحول الميدان الي ساحة قتال و تراشق بالرصاص المطاطي و الحجارة..

تقدم هو ببطء ووصل الي أول الشارع و ما رأه ما كان ليستطيع عقله أن يتخيله أو يستوعبه …فلأول مرة يري هذا العدد من البشر في مكان واحد و أعددادهم لا تقل بل تتزايد و مع تزايد أعدادهم.. أصبح ما يراه كان شئ يعتقد أن ضرب من الخيال و الجنون ممزوجان..

فأبناء مصر علي كافة أشكالهم و ألوانهم يقفون الواحد بجانب الأخر .. يحملون بعض.. يهتفون مع بعض .. ينقذون بعض و يحمون بعض من الهجوم الذي بات أشرس بمراحل من أي ذاكرة له عن أحتكاك الأمن المركزي بالشعب .. فقد اصبح صوت الرصاص المطاطي يعلو و يتزايد.. و بدأ يري الدماء تسيل من أوجه العديد من الناس..

ترنح أحد المتظاهرين.. و كان يبدو من طريقة هندامه شخص بسيط…و حاول الأمساك به ليعاونه علي النهوض مرة أخري…

ولاحظ الدماء التي تسيل من رأس الشاب.. فخلع في الحال البلوفر الذي يلبسه و راح يستخدمه ليضمد جراح الشاب..

فنظر اليه الشاب و تعالت علي وجهه ابتسامة.. وراح يتحدث بصعوبة و هو يسعل “أحنا بنجيب دم يا بيه …ِشكلنا صح المرة دي! شكلنا هنصحي يا بيه..” و راح يسعل مرة أخري ..قبل أن يضيف ” روح يا بيه متخافش عليا أن كويس.. روح أنت هناك معاهم.. كون معاهم..هنضرب يا بيه.. و كل ما هنضرب أكتر هنصحي أكتر… و في الأخر ايديهم هتتكسر يا بيه .. صدقني و الله.. ” و راح يسعل بشدة .. ثم عاد يضيف ” يا بيه مستني أيه .. روح اقف معاهم متخافش محدش فينا هياخد أكتر من دنيته.. و أخرته دي مع ربنا..روح لهم أقف معاهم”…

لم يستطع أن يستوعب ما يحدث.. أو ما يسمعه من الشاب و لكن كل خليه في جسده ارتعشت مما قاله الشاب.. فأمال الشاب ليجلس بجنب جدار أحد الأبنية .. و ذهب و أحضر بعض الماء و أعطاه للشاب.. فنظر اليه الشاب و أبتسم ” روح يا بيه متخافش .. أنا هبقي كويس .. “

لم يرد علي الشاب و لكن أوماء برأسه موافقاً .. و تحرك نحو الميدان الذي امتزجت رأحته بالغاز و الدم..

و أصبحت حركاته تبدو أسرع..وبدلا من السير أصبح يعدو…حتي وصل الي حيث الأعداد التي تقف تتراشق بالحجارة و كل ما تستطيع أن تمسك به لتتعامل مع الأمن المركزي..

حتي وصل الي قرب المقدمة و كان كلما سار أعطاه الناس شئ للحماية من الغاز الرصاص المطاطي ..فأعطوه كوفية وغطاء صندوق قمامة…

تقدم بين صفوف الناس ببطء حتي وصل الي الصف الأول.. ونظر حوله.. وكان ما يفصله عن الأمن المركزي البعض من الأمتار…

وصمت طويلا و يراقب كل ما يحدث حتي ثارت كل خلجة في كيانه و ترك الكوفية و ترك الغطاء و أندفع يجري في أتجاه العسكر في وسط أندهاش كل المتظاهرين.. وصرخ بأعلي صوت له و هو يقترب و بداء العسكر يوجهون و يركزون رصاصتهم المطاطية في أتجاهه.. ثم قفز و جسده ينتفض من ضرباتهم و أختفي تماماً خلف حاجز من الدخان و سمع المتظاهرون صرخات غضبه ثم تلاشت الصرخات..أختفت تماماً.. و مع أختفائها أنتفض كل من كان في الميدان وأندفعو في أتجاه العسكر بكل ما أتيو من مقدرة…

واستمرت المناوشات طوال اليوم حتي هدئت تماماً قرب منتصف الليل..

وتراجع العسكر من مكانهم الرئيسي الي موقع أخر..

هم بعض الناس يبحثون عن الشاب لعلهم يجدونه.. أو ما تبقي منه كما تصور البعض…

و بعد بعض الوقت من البحث .. أستطاع أحدهم أن يجد حافظة نقوده.. ثم هم يبحث بها عما يدله علي هويته.. ووجدها.. فأمسك بها..

و قرأ الأسم في صمت .. قبل أن تتعالي صيحاته..”لقيته..يا جماعة ..لقيته .. أمل المصري.. أسمه أمل المصري.. أمل المصري لسه مماتش.. أمل المصري لسه مماتش !! أمل المصري هيعيش..أمل المصري لازم يعيش..” كان الرجل يقولها و عيناه مغرورقة بالدموع.. وكل ما شعر به سرعان ما شعر به الجميع.. فبعد ذلك اليوم تغيرت حياتهم للأبد…

و أتمو ليلتهم يستعدو لليوم التالي..

صبحت الشمس بأشعتها تدفئ هولاء الذين أمسو ليلتهم في برد الميدان.. و بدأو يستيقظوا فيما حضروا أعلاماً كتب عليها…

“أمل المصري لسه مماتش.. أمل المصري معانا .. جوانا..أمل المصري لسه مماتش”

وبداء اليوم التالي و استمرت التظاهرات.. والي اليوم كلهم مقونون أن “أمل المصري لسه مماتش”… و ستستمر الأيام .. لأن الأمل لا يمكن أن يموت…

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s

Sableyes

Sabbles woz 'ere

Michael Ehrhardt

Permanenter Ausstellungsraum

The Neighborhood

Society online's creative conscious.

Dates & Saffron

Digging into my middle eastern roots one stew at a time

thaqafamagazine.wordpress.com/

ARAB THOUGHT / ROOTS / CULTURE

Sharing History

Reflections of a Public Historian

Matt Miklic

Designer, and other useful things.

Author Mccloskey Speaks

A great WordPress.com site

3rdculturechildren

life of a globetrotting family of 5 in the US foreign service

purelysubjective

working out how to be an artist in this world

In Sight

"A moment's insight is sometimes worth a lifetime's experience" - Oliver Wendell Holmes

Her Life Inspired

A parenting and lifestyle blog that features parenting advice, recipes, DIY ideas, fashion tips and inspiration

2Summers

An American in Quirky Johannesburg

%d bloggers like this: